"التيمية" بالشارقة ...90 عامًا على ميلاد أول مكتبة بالساحل المتصالح


شهدت مدينة الشارقة قبل 90 عاماً، وبالتحديد في أوائل عام 1929م حدثاً ثقافيًا استثنائياً فريداً نالت به قصب السبق بين إمارات الساحل المتصالح، ذلكم هو افتتاح أول مكتبة عامة أمام جمهور القراء، والشريحة المثقفة في الإمارة، وأطلق عليها مؤسسها الوجيه عبدالله بن حسن المدفع اسم "المكتبة التيمية".
وعاشت الشارقة خلال النصف الأول من القرن العشرين حراكاً ثقافياً، وتعليمياً ملحوظاً، حيث ظهرت فيها المدارس شبه النظامية، والتي تعد أرقى ما وصلت إليه المؤسسة التعليمية قبل دخول التعليم النظامي الحديث "1953م".
وأقدم هذه المدارس المدرسة التيمية المحمودية عام 1907م، والمدرسة الوهيبية في بلدة الحمرية عام 1911م، والمدرسة النابودية مطلع عقد العشرينيات، والمدرسة التيمية في بلدة الحيرة عام 1926م، والمدرسة الصالحية عام 1930م، ثم مدرسة الإصلاح الأم، القاسمية لاحقًا عام 1935م/ إلى جانب الحلق العلمية التي كان يعقدها كبار علماء الدين لطلابهم في المساجد وفي بيوتهم.
وتعد مدرستا التيمية المحمودية والإصلاح الأم من مآثر أسرة آل المحمود، التي لعبت دوراً هاماً في دعم الحركة التعليمية خلال تلك الفترة، وكان لتجار اللؤلؤ "الطواويش" الدور الرئيسي في إنشاء تلك المدارس والإنفاق عليها.
وقد واكب هذه الحركة التعليمية الزاخرة نشاط ثقافي متنوع نهضت به صفوة مثقفي الإمارة، وكان بمثابة الظهير والسند والرافد للحركة التعليمية، وحظي بتشجيع ودعم حاكمها المستنير الشيخ سلطان بن صقر القاسمي " 1924 – 1951م".
ويعود الفضل الأكبر في تلك المبادرات الثقافية الرائدة، إلى عائلة المدافعة، التي ارتبطت بعلاقاتٍ طيبة ومتينة مع الأسرة القاسمية الحاكمة منذ القرن التاسع عشر، ونبغ منها عددٌ من المشاهير في عالم القضاء، والثقافة، والتاريخ، والأدب، والتجارة.
وتمثلت تلك المبادرات الرائدة في: إنشاء المنتدى الإسلامي عام 1920م، وجمع وتدوين التاريخ الشفاهي لأحداث الساحل المتصالح، وذلك على يد محمد بن عبدالله بن حسن المدفع "1889 – 1923م"، ثم ظهور بواكير الصحافة الإماراتية على يد نجله النابغة إبراهيم بن محمد المدفع "1909 – 1983م".
وتلا ذلك تأسيس أول مكتبةٍ عامة هي "المكتبة التيمية" عام 1929م، على يد والده عبدالله بن حسن المدفع "1865- 1943م".
هذا إلى جانب انتشار المكتبات الخاصة والمدرسية في الإمارة، وظهور مؤلفات تاريخية للساحل المتصالح، قام بتأليفها الشيخ عبدالله بن صالح المطوع "1889 – 1958م" أشهر مؤرخي الإمارات خلال النصف الأول من القرن العشرين، مما أنتج حراكاً ثقافياً واضحاً منح الشارقة طابعاً ثقافياً مميزاً بين إمارات الساحل المتصالح.
فكرة إنشاء المكتبة التيمية:
كانت الشريحة المثقفة في الإمارة تشعر بالحاجة إلى مكتبة عامة، تيسر لها سبل الاطلاع، والتثقيف الذاتي في وقت كانت مواد الثقافة فيه عزيزة المنال، نظراً لعدم وجود مكتبات تجارية، أو مطابع في الساحل، إضافة إلى صعوبة توفير قيمة الكتب، بسبب انخفاض مستوى المعيشة في ظل الكساد الاقتصادي الذي نتج عن ظهور اللؤلؤ المزروع منذ منتصف عقد العشرينات.
وكان مشروع كهذا يعتبر آنذاك عملاً خيرياً، حاله كحال إنشاء المدارس الدينية لطلبة العلم، فنهض لسد هذه الحاجة الاجتماعية الثقافية الماسة الوجيهُ الثري عبدالله بن حسن المدفع، أحد كبار تجار اللؤلؤ المترددين على بومبي، وقد كان له مجلسٌ مفتوح يفد إليه طلبة العلم من نجد والأحساء.
وعرف عنه حبه للعلم والأدب، وطبع على نفقته عدداً من المؤلفات التي كان يوزعها على طلبة العلم ابتغاء الأجر، وكانت له مكتبة خاصة ضمت مئات الكتب.
وكان عبدالله قد تجاوز السبعين من عمره في أواخر عقد العشرينات، ومن الجدير بالذكر أن مثقفي البلاد، كانوا يسمعون عن المكتبات التي تزخر بها مدينة بومبي، التي اعتاد تجار اللؤلؤ على ارتيادها، وكذلك عن مكتبات البلاد العربية، التي قطعت شوطاً كبيرًا في مجال التعليم والطباعة والنشر، والمؤسسات الثقافية كمصر والشام والعراق والحجاز.
والتي كانت صحفها ومجلاتها ومطبوعاتها ترد إلى الشارقة فتتلقفها أيدي القراء، فكانت النخبة المثقفة تتطلع بشوق إلى إنشاء مكتبة عامة في مدينتهم، تكون بمثابة صالون علمي أدبي، وتسهم بدور رئيسي في حركة التنوير والتوعية في المجتمع الشارقي.
وقد حظي مشروع المكتبة التيمية بتشجيع حاكم الإمارة، الأديب المثقف الشيخ سلطان بن صقر القاسمي، الذي عُرف بحبه للعلم والأدب، وتشجيعه لكل مامن شأنه رفع المستوى الثقافي والمعرفي في البلاد.
وكان المقر الأول للمكتبة عبارة عن دكان يملكه عبد الله بن حسن المدفع مجاورٍ لداره في فريج السوق، بمنطقة المريجة جنوب مدينة الشارقة، ثم نقلت إلى مجلس بيت مؤسسها.
وفي عام 1942م قام أمينها إبراهيم المدفع بتوسعة البيت الذي فيه المكتبة واتخذ لها مقراً خاصاً عبارة عن مجلس عام خارج البيت، وكان مفتوحاً أمام القراء، سواءً من أبناء الشارقة، أو من الزوار الوافدين إليها.
تألفت مجموعات المكتبة من نوعين من مواد المعرفة هما:
أ- الكتب المطبوعة والمخطوطة: فقد أمدها مؤسسها بمجموعته القيمة من الكتب، وأغلبها في علوم الدين، وخصوصاً كتب العقيدة السلفية، والفقه الحنبلي، إلى جانب أسفار التاريخ، والأدب، والأنساب، والاجتماع، ويحتمل جداً أن تكون مكتبة نجل المؤسس محمد بن عبدالله المدفع "ت 1923م " قد أضيفت إلى مجموعات المكتبة التيمية لتعميم الاستفادة منها.
ويقدر عدد الكتب في المكتبة بما يربو على 400 كتاب، وهو عدد كبير نسبياً بمقياس ذلك الزمن، ومن شبه المؤكد أنها كانت تقتني عدداً ليس بالقليل من المخطوطات، نظراً لأن الكثير من المصادر الهامة في التراث العربي الإسلامي لم تكن قد حققت ونشرت بعد، ولذا بقي الاعتماد على مطالعتها في مخطوطاتها القديمة.
وكان إبراهيم بن محمد المدفع إبان إدارته للمكتبة التيمية، لايفتأ يراسل العلماء، وأهل الشأن في سبيل تزويدها بالمطبوعات القيمة.
ب- الدوريات العربية: كانت تصل إلى الشارقة مجموعة من الدوريات من دول مختلفة،كمصر والعراق والسعودية والبحرين والكويت.
تاريخ افتتاح المكتبة:
افتُتحت المكتبة التيمية في غرة رمضان 1347هـ الموافق 10 فبراير 1929م التماساً للبركة، حيث اقترن افتتاحُها بدخول الشهر الفضيل، وأكملت شهرها الأول في عيد الفطر.
وبعد انقضاء رمضان أقيم فيها احتفالٌ بمناسبة عيد الفطر، وألقيت فيها خطبة ، أي كلمة للشيخ عبدالله بن صالح المطوع، ناب عنه إبراهيم المدفع في إلقائها، ورد فيها ((وها هي الحمد لله قد مرَّ عليها شهرٌ وهي تفتح صباحاً ومساءً للمطالعة والمذاكرة، ومامن أحدٍ منكم إلا وهو مسرورٌ بها ويرجو لها الدوام والتقدم )).
لائحة المكتبة:
وضع إبراهيم المدفع، أمين المكتبة التيمية لائحة تضمنت الغرض من إنشائها، والآداب التي يجب على مرتاديها الالتزام بها، واللائحة وثيقة ثمينة ندين بالفضل في نقلها للأستاذ أحمد قاسم البوريني "من أبناء فلسطين"، وهو ثاني اثنين من معلمي البعثة الكويتية الأولى إلى الشارقة "1953م"، وذلك في كتابه القيّم "الإمارات السبع على الساحل الأخضر" المطبوع عام 1957م.
وقد ارتأت إدارة المكتبة منع إعارة كتبها لروادها، وقصر الاستفادة منها على المطالعة بداخلها فقط، وذلك بسبب صعوبة تعويض الكتب المفقودة، لكونها نادرة، وتجلب من خارج البلاد آنذاك.
كما أن الظروف الاقتصادية في أيام نشأة المكتبة كانت صعبة، ولا مطمع في الحصول على تعويض عن كتابٍ مستعار، وقد علقت على جدار المكتبة لوحة حائط تحوي بيتين من الشعر يعبران عن ذلك:

ألايا مستعير الكتب دعني فإن إعارة المحـبـوب عـار
ومحبوبي من الدنيا كتابي وهل أبصرت محبوبـــًا يُعار

وكانت تقام في المكتبة احتفالات في أيام الأعياد، يحضرها حاكم الشارقة ومعه أعيان البلاد ومثقفوها، كما كانت المكتبة تستقبل بعض العلماء القادمين من البلدان المجاورة بين الفينة والأخرى.
وقد ظلت قائمة بدورها التثقيفي والاجتماعي طوال 14عاماً تحت إشراف ورعاية مؤسسها، ومساندة أمينها الذين عملا جاهدين على تنظيمها وتزويدها بكل جديد، وتعزيز دورها الثقافي والتنويري والاجتماعي، بحيث أصبحت أشبه بمنتدى أو صالون أدبي تؤمه النخبة المثقفة وطلاب المعرفة، وتطرح فيه القضايا التي تهم المجتمع.
لكن لم يتضح لنا مصير المكتبة، ولا سبب إغلاقها بشكل قاطع، فلعلها تأثرت سلباً بالأزمة الاقتصادية الناتجة عن الحرب العالمية الثانية، والتي بلغت ذروتها في عام 1943م، وتزامن ذلك مع وفاة مؤسسها عبدالله بن حسن المدفع، رحمه الله، فكان مصيرها الإغلاق وعادت مجموعاتها إلى مكتبة إبراهيم المدفع الخاصة لكونها غير وقفية أصلًا.
وهكذا يعتبر مشروع المكتبة التيمية العامة، أحد المشاريع الرائدة التي كانت إمارة الشارقة سباقة إليها قبل غيرها، ويحق لها أن تفخر به كمنجز ثقافي وحضاري يستحق الإشادة والثناء.


نشر في الشارقة 24 بتاريخ 2020/03/24


الرابط الإلكتروني : https://www.sharjah24.ae/ar/writings/op-eds/228539/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%8A%D9%85%D9%8A%D8%A9%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%A7%D8%B1%D9%82%D8%A990-%D8%B9%D8%A7%D9%85%D8%A7-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D9%85%D9%8A%D9%84%D8%A7%D8%AF-%D8%A3%D9%88%D9%84-%D9%85%D9%83%D8%A

المزيد من الأخبار في بيت الحكمة- الشارقة 24

شارك هذا الخبر مع أصدقائك تويتر فيسبوك جوجل


أضف تعليقاً

تعليقات الزوار


التبراة : والجمع ( تباري ) وهي المغاصة التي يكثر في قاعها المحار الذي يحتوي على اللؤلؤ . فيقال ( المركب عنده تبراه ) أي وجد مغاصة يكثر فيها اللؤلؤ في قاعها الرملي . وقيل أن مناطق ( التبراة ) تسري ليلاً من مكان إلى آخر ، وأن المحار يطوف على سطح البحر ، فيلمع وكأنه ألوف المصابيح الدقيقة المنثورة على سطح البحر ، فتلاحقه سفينة الغوص حيثما ذهب . ( معجم الألفاظ العامية في دولة الإمارات العربية المتحدة )

التبراة : موقع إماراتي يتناول مئات المواضيع التي تضيء شعلة حب الكتاب لدى أبناء دولة الإمارات العربية المتحدة ( شخصيات وهيئات ومؤسسات ) في نشر ودعم الكتاب على مستوى العالم وبكل اللغات . كما يعرض لأكثر من ألف عنوان كتاب يتم نشره سنوياً منذ بداية الألفية الثالثة .

ملاحظة : الموقع عبارة عن قاعدة معلومات فقط و لا يتوفر لديه نسخ من الكتب .

عداد الموقع

الكتب
25799
المؤلفون
14784
الناشرون
1537
الأخبار
8643

تطوير وتصميم تدوين
جميع الحقوق محفوظة - موقع التبراة