حكايات إفريقية على إيقاع الموسيقى والسرد في الشارقة
ركّزت جلسات اليوم الثاني من مهرجان الشارقة للأدب الإفريقي على استكشاف الأدب كأداة للتواصل بين الثقافات، وتسليط الضوء على تحوّلات الهوية في سياقات محلية وعالمية متداخلة، من خلال نقاشات عكست تنوّع التجارب الإفريقية وامتداداتها المعاصرة، مع إبراز القواسم المشتركة بين السرد القصصي الموجه للأطفال في كل من الإمارات والدول الإفريقية.
وناقشت جلسة «حكايات مشتركة للقرّاء الصغار»، التي تحدث خلالها كل من ناهدة إسماعيل وريتشارد مبالا وفاطمة العامري وأدراتها تويين أكاتي، ملامح أدب الأطفال في إفريقيا ودولة الإمارات، بوصفه نتاجاً للتقاليد الشفوية والحكايات الشعبية والقيم المجتمعية.
وتطرقت الجلسة إلى كيفية توظيف هذه السرديات في تعزيز الهوية، مع تناول موضوعات إنسانية مشتركة مثل الفضول، والصدق، والأمانة، والشعور بالانتماء، بما يجعلها قادرة على الوصول إلى قرّاء من ثقافات مختلفة حول العالم. وأكد المتحدثون دور قصص الأطفال في ترسيخ التعاطف والتفاهم الثقافي منذ المراحل العمرية المبكرة.
أما جلسة «أصوات إفريقية عابرة للحدود» فتناولت تأثير العولمة في تشكيل الاقتصادات الإفريقية والثقافات والهياكل الاجتماعية، مع التركيز على التجارب المعيشية للمهاجرين الأفارقة في مختلف أنحاء العالم، وتحدث خلالها كل من سيفي آتا، بياتريس لامواكا، إلياس ونديمو، ليبوغانغ ماشيلي، مقدمين رؤى متعددة تعكس تنوّع التجربة الإفريقية داخل القارة وخارجها. ومن خلال الأدب والسرديات الشخصية، ناقش المتحدثون قضايا الهوية والانتماء والفرص والتحديات التي تواجه الإنسان الإفريقي في عالم مترابط أكثر من أي وقت مضى.
*محطات
كشفت الكاتبة الزيمبابوية تسيتسي دانغاريمبغا، الفائزة بجائزة الشارقة للتقدير الأدبي، خلال فعاليات الدورة الثانية من مهرجان الشارقة للأدب الإفريقي، عن محطات مفصلية في مسيرتها، متوقفة عند روايتها الأولى «ظروف عصبية» التي لم تزل تحظى بانتشار عالمي وإقبال من القراء، على الرغم من مرور 38 عاماً على تأليفها منذ عام 1988، وتروي قصة نشأة فتاة من ريف زيمبابوي، حيث شكلت بوابة انطلاقتها إلى المشهد الأدبي العالمي.
وأوضحت مؤلفة الرواية الفائزة بجائزة كتّاب الكومنولث عام 1989، والتي صنفتها هيئة الإذاعة البريطانية بأنها من أكثر الكتب تأثيراً في العالم، أن نشأتها تشكّلت في ظروف اجتماعية ومادية محدودة، حيث شعرت في طفولتها بأن الفرص المتاحة أمامها كانت ضيقة، وأن امتلاك صوتٍ مسموع لم يكن أمراً يسيراً، لتدرك لاحقاً أن التعليم والقراءة والمعرفة والأدب تمثل المسار الأهم لتجاوز تلك القيود وبناء مسارها الإبداعي.
وخلال جلسة حوارية بعنوان «الظروف العصبية»، تحدثت الكاتبة الزيمبابوية عن القضايا التي تشغل سلسلة أعمالها الأدبية، مؤكدة أنها تناولت فيها موضوعات المراهقة والأسرة والنوع الاجتماعي والتوقعات الثقافية وتمكين المرأة، بوصفها أسئلة متداخلة شكلت وعيها وتجربتها.
وقالت: «إن أكثر ما وجدته حقيقياً وثابتاً منذ صدور الرواية وفي مختلف البيئات هو تحدي النساء في ترسيخ حضورهن ونيل الاعتراف بدورهن المتكافئ في المجتمع، وهو ما يمنح رواية «ظروف عصبية» قربها من القراء حتى هذا اليوم».
وأوضحت دانغاريمبغا أن هذه القضايا تركت أثراً عميقاً في مسيرتها الإبداعية، إذ أدركت في وقت مبكر أن كونها شابة في بدايات حياتها، وإفريقية ومنتمية إلى مجتمع كان يُعرف سابقاً باسم روديسيا خلال الحقبة الاستعمارية قبل أن يصبح دولة زيمبابوي بعد الاستقلال، إضافة إلى انحدارها من خلفية اجتماعية لا تمتلك نفوذاً أو سلطة مؤسسية، كلها عوامل جعلتها تدرك أن صوتها قد لا يجد صدى تلقائياً في العالم، وهذا ما دفعها إلى العمل على تمكين نفسها وصقل صوتها الأدبي، حتى تتمكن من مخاطبة العالم، وإيصال تجربتها وقصتها بوضوح وتأثير.
*ذاكرة الموسيقى
من جانب آخر تفاعل جمهور المهرجان مع أداء فرقة داو كانتريز ميوزيك أكاديمي (Dhow Countries Music Academy) حيث قدّمت عرضاً موسيقياً، استحضر ذاكرة الموسيقى في زنجبار وساحل المحيط الهندي من خلال أنغام الطّرب والإيقاعات الساحلية التقليدية.
وقدّم العازفون والمؤدون أداءً جمع بين الألحان العميقة والآلات التقليدية في تناغم عكس غنى التراث الموسيقي الزنجباري إذ تتخصص الفرقة في تدريسه والحفاظ عليه منذ تأسيسها قبل أكثر من عقدين.
وتُعد فرقة داو مؤسسة موسيقية تكرّس جهودها لصون وترويج الموسيقى التقليدية في زنجبار، مثل الطّرب والكيدومباك والنجوما، وتعمل على تمكين الشباب عبر التعليم والممارسة الحية لهذه الأنماط الصوتية والإيقاعية التي تمزج التأثيرات الإفريقية والعربية والهندية.
* عرض حكائي
شهد المهرجان عرضاً أدائياً حكائياً مصحوباً بالموسيقى التقليدية للفنانة الجنوب إفريقية موافريكا وا موكغائي، استعرضت خلاله بأسلوب «الحكواتي» الإفريقي عملاً فنياً يستحضر دور المرأة في حفظ الذاكرة والأنساب من خلال شخصية «راكغادي» (العمة). وجمع العرض بين الشعر وموسيقى الجاز والإنشاد المتوارث، مدعوماً بمشاهد بصرية سينمائية، رابطاً بين تقاليد إفريقية مثل «كيبا» و«مالوبو».